من الجيد أن يشعر المرء بالامتنان لكل شيء يملكه، لكن ينبغي علينا أن نكون ممتنين للأمور التي نفتقر إليها أيضاً لأننا لم نحصل عليها حتى الآن، أو تلك التي كان علينا التخلي عنها للحصول على أمر آخر أفضل. فقدرتنا على رؤية أهدافنا وأحلامنا بوضوح، هي وحدها ستساعدنا على تحقيقها.

وغالبا ما يفضل الناس سماع قصص أولئك الذين حققوا نجاحات سريعة، وليس الذين قضوا سنوات في العمل على تحقيق نجاحهم. ففكرة إنفاق مبلغ من المال لشراء تلفاز مثلا، تعد أكثر إمتاعا من مجرد ادخار هذا المبلغ في الضمان الاجتماعي. وهذا النوع من التفكير هو سبب قوع الكثيرين في مشكلة عدم وجود مدخرات كافية عند اقترابهم من سن التقاعد. وهناك أيضا الكثير من الشركات التي ينتابها هاجس توفير أرباح ربع سنوية للمساهمين، بدلا من تطوير قيم طويلة الأمد. وبالتالي فإن ذلك يؤثر سلبا على الشركة بأكملها.

ومع أن الصراع النفسي الناتج عن رغبة الحصول على النتائج سريعا ليس أمرا جديدا، إلا أنه قد وصل إلى مستويات غير مسبوقة. ففي القرن الـ21، أصبح انتظار تحميل أي ملف لأكثر من 5 دقائق أمرا مزعجا. وفي حياتنا الشخصية، لم يعد لدينا الوقت لإجراء المحادثات. أما في حياتنا المهنية، أصبحنا نضحي بأوقاتنا اللازمة لبناء علاقات موثوقة ومنفتحة وصادقة مع الآخرين.

ومن المعلوم أن أدمغتنا تبدأ بتطوير القدرة على الصبر وانتظار النتائج على المدى البعيد، منذ سن الطفولة. وقد قام والتر ميشيل من جامعة ستانفورد خلال العقد الـ 6 من القرن الماضي، بإجراء "تجربة المارشميلو"، إذ تم وضع عدد من الأطفال أمام طاولة، ثم طلب منهم الاختيار بين أكل قطعة مارشميلو واحدة فورا، أو الانتظار لبضع دقائق والحصول على قطعة ثانية، بما يوحي بأن انتظارهم سيضاعف المكافئة. وكان لمن يعجز منهم عن الانتظار قرع جرس معلق على الطاولة، وبهذا تنتهي التجربة.

وقد كان من بين هؤلاء الأطفال مجموعة تفتقر إلى مهارة القدرة على التحكم بالنفس، فأكلوا الحلوى على الفور. بينما استمر الآخرون بالتحديق بالحلوى ومحاربة رغبتهم الداخلية إلى حين استسلامهم في النهاية. ومن بين الأطفال الذين حاولوا تأخير تناولهم للحلوى، تشير النسبة الإجمالية إلى أن أقل من واحد منهم، استطاع الصمود إلى حين الحصول على القطعة الثانية.

كما تابع ميشيل الأطفال الذين خضعوا للتجربة خلال حياتهم الجامعية، فكان الاستنتاج المثير للاهتمام هو أن الأطفال الذين قاوموا رغبتهم، كانوا أكثر انضباطاً كبالغين وأكثر قدرة على التحكم بالذات، وكانوا قادرين على اتخاذ قرارات تصب في مصلحتهم، ويملكون ثقة أكبر بأنفسهم. فضلاً عن أن لديهم قدرة أكبر على التعامل مع الإجهاد، وأقل عرضة لزيادة الوزن.

وتقدم نتائج الدراسة وجهة نظر مثيرة للاهتمام حول الطبيعة البشرية، بالإضافة إلى درس قيم لنا جميعاً. ففي الوقت الذي يميل الجميع فيه إلى طلب النتائج الفورية، هناك فوائد وتبعات لاتحصى للتمهل، وفعل الأمور على النحو الصحيح، إذ إن أفضل الأمور في الحياة نادراً ما تحدث بين ليلة وضحاها. وإن كنت ترى نفسك مشغولاً للقيام بأمر ما على نحوه الصائب لأول مرة، متى ستجد الوقت لفعل ذلك مجدداً؟

لذلك، فكر بالأهداف المالية والعلاقات الشخصية والنتائج المهنية التي تريد حقاً الحصول عليها في الحياة، وسرعان ما ستدرك بأنه لا يوجد طريق مختصر للنجاح. ألزم نفسك بأحلامك اليوم وكن ممتناً لما ستحققه مستقبلاً، حتى إن كنت لم تحصل عليه بعد.